ابن الجوزي
279
صفة الصفوة
أحس بي أوجز في صلاته ثم أخذ بيدي فوقفني على البحر وحرّك شفتيه . فقلت في نفسي : إن مشى على الماء مشيت معه . فما لبث إلا يسيرا فإذا الحيتان قد برزت مدّ البصر وقد أقبلت إلينا رافعة رءوسها من الماء ، فاتحة أفواهها . فقلت في نفسي : أين ابن بشر الصياد ؟ فلما ذكرته في نفسي تفرّقت فالتفت إليّ إبراهيم وقال : مر فلست مطلوبا لهذا الأمر ولكن عليك بالوصال ، والتخلّي في الجبال ، ووار نفسك ما أمكنك ، حتى يشغلك بذكره عن ذكر من سواه ، وعليك بالتقلّل من الدنيا ما استطعت ، حتى يأتيك اليقين . ومضى . وعنه قال : كان سبب رؤيتي إبراهيم بن سعد أني خرجت من أولاش إلى مكة في غير أيام الموسم ، فرافقت ثلاثة . فتفرق اثنان منهم وبقيت أنا والثالث . فقال لي : أين تريد ؟ فقلت : الشام . قال : وأنا أريد اللّكام فإذا هو إبراهيم بن سعد العلوي . وكان حسنيا ثم تفرّقنا . وكانت تأتيني كتبه . فخرجت يوما من أولاش فإذا إبراهيم بن سعد العلوي ، فلما رآني قصّر في صلاته وسلّم عليّ وجاء إلى البحر ، فنظر إليه وحرّك شفتيه فإذا بحيتان كثيرة مصفوفة قد أقبلت فلما رأيتها قلت : أين الصيادون ؟ فنظرت فإذا السمك قد تفرّق . فقال لي إبراهيم : ما أنت بمطلوب في هذا الأمر ، ولكن عليك بهذه الرمال فتوار فيها ما أمكنك ، وتقلّل من الدنيا حتى يأتيك أمر اللّه . ثم غاب عني فلم أره ، وكانت كتبه ترد عليّ . فلما مات كنت قاعدا يوما فتحرّك قلبي للخروج فلما خرجت صرت إلى المسجد فإذا أنا بأسود فقام إليّ فقال لي : أنت أبو الحارث ؟ قلت : نعم . قال : آجرك اللّه في أخيك إبراهيم بن سعد . وكان هذا مولى له يسمى ناصحا ، فذكر أن إبراهيم بن سعد أوصاه أن يؤدي هذه الرسالة : يا أخي إذا نزل بك أمر من أمر اللّه فاستعمل الرضا ، فإن اللّه مطّلع عليك يعلم ما في ضميرك ، فإن رضيت فلك الثواب الجزيل . وأنت في رضاك وسخطك لست تقدر أن تزداد في الرزق المقسوم والأمر المكتوب ، فإن لم تجد إلى الرضا سبيلا